الشيخ الأميني

26

موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب ( ط دائرة المعارف )

وإنكار مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام وصيحة أمّ المؤمنين في خدرها ، ولم تزل البغضاء محتدمة على هذه وأمثالها حتى كان في مغبّة الأمر ما لم يحمده خليفة الوقت وزبانيته الذين جرّوا إليه الويلات . ولو ضرب المسيطر على الأمر صفحا عن الفظاظة في الانتقام ، أو أعار لنصح صلحاء الأمّة أذنا واعية ، أو لم يستبدل جراثيم الفتن بمحنكي الرجال ، أو لم ينبذ كتاب اللّه وسنّة نبيّه وراء ظهره ، لما استقبله ما جرى عليه وعلى من اكتنفه من الوأد والهوان . لكنّه لم يفعل ففعلوا ، ولمحكمة العدل الإلهيّ غدا حكمها الباتّ . ولابن مسعود عند القوم مظلمة أخرى وهي جلده أربعين سوطا في موقف آخر ، لماذا كان ذلك ؟ لأنّه دفن أبا ذر لمّا حضر موته في حجّته . وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميتا كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان . وجد صحابيّا عظيما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقرّبه ويدنيه قد فارق الدنيا . وجد عالما من علماء المسلمين قد غادرته الحياة . وجد مثالا للقداسة والتقوى ، فتمثّل أمام عينيه تلك الصورة المكبّرة التي كان يشاهدها على العهد النبويّ . وجد شبيه عيسى بن مريم في الأمّة المرحومة هديا وسمتا ونسكا وزهدا وخلقا ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام . وجد عزيزا من أعزّاء الصحابة على اللّه ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوما مضطهدا . وجد في قارعة الطريق جثمان طيّب طاهر غريب وحيد نازح عن الأوطان تصهره الشمس ، وتسفي عليه الرياح ، وذكر قول رسول اللّه : « رحم اللّه أبا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويحشر وحده » .